المعدن والنبات: حلف ضد السرطان

إن القضاء على الخلية المريضة, دون أن يضر ذلك بالخلايا السليمة,  إنما يمثل الهدف الذي ترمي إلى تحقيقه الأساليب الجديدة في المعالجة الكيميائية للسرطان. وهذا بالطبع أمر قوله أسهل من تنفيذه. فالباحثون يسعون إلى استكشاف طرق مختلفة في هذا المجال, بما في ذلك دراسة  الوسائل التي استندت إليها حكمة الأقدمين. وفي هذا الصدد, تبين أن نباتا يستخدم في الطب الصيني التقليدي, للقضاء على أورام القناة الهضمية, من شأنه أن يفتح آفاقاً جديدة أمام الطب الحديث.

على الرغم من التطورات الكبيرة في مجالات الوقاية والتشخيص والعلاج, فإن السرطان مازال  يمثل أحد الأسباب الرئيسية للوفاة, وذلك على الصعيد العالمي, وحتى الستينيات من القرن الماضي, كانت الأساليب الجراحية والإشعاعية هي المستخدمة في علاج مرض السرطان! غير أنه تبين, خلال السنوات الخمسين الأخيرة, أن المعالجة الكيميائية هي من أكثر الأسلحة فعالية ضد السرطان.

وفي هذا الصدد, اكتشف, بمحض الصدفة, أول دواء حديث ضد الأورام, مكون من خردل الأزوت, وذلك أثناء الحرب العالمية الثانية. فقد لاحظ باحثون, مصادفة, أن غاز الخردل – وهو جزئ يستمد اسمه  من لونه الأصفر, وكان يستخدم كسلاح كيميائي  أثناء الحرب العالمية الأولى – يمكن أن يخفض مستوى الكريات البيضاء في الدم. وفي عام 1942, استخدم لويس غودمان  وألفريد غيلمان وغيرهما من أساتذة علم الصيدلة في جامعة يال ( الولايات المتحدة) هذا الدواء في علاج الأورام اللمفاوية في مراحلها المتقدمة ووجدوا انه قد يؤدي إلى تضاؤل الأورام. وفي عام 1949, صرحت إدارة الأغذية والعقاقير الأمريكية بطرح خردل الأزوت في الأسواق, الأمر الذي كان من شأنه تيسير ابتكار أدوية عديدة للمعالجة الكيمائية لأنواع شتى من مرض السرطان.

ومع ذلك, وكما هو معلوم, تسبب هذه الأدوية آثارا جانبية خطيرة؛ واستمر الوضع على هذا الحال حتى مطلع الألفية الثالثة حيث بدأت مرحلة جديدة للعلاج ضد السرطان يستند إلى عملية الاستهداف الجزيئي. ويتمثل ذلك في ابتكار جيل جديد من الأدوية التي تستهدف, على وجه التحديد, الموضع الذي توجد فيه الخلايا السرطانية, ولا تنتشر في جميع أجزاء جسم الإنسان ( حتى لا تلحق بذلك ضررا بالخلايا السليمة).

تجنب الأضرار الجانبية

إن كان معظم الأدوية المستخدمة لعلاج السرطان تتمثل في مركبات عضوية, فمن المعلوم أيضاً أن هناك أدوية مكونة أساساً من مركبات معدنية. ويعود استخدام المعادن في علاج الأمراض إلى  المراحل الأولى من نشأة الحضارة الإنسانية. فمنذ 2500 سنة خلت, كان الصينيون القدماء يعرفون أن الذهب يمكن استخدامه لأغراض طبية. وفي تاريخ أقرب عهدا, فإن البلاتين, وهو معدن ثمين آخر, هو الذي يتركب منه أساسا الأدوية المضادة للسرطان الأكثر مبيعا في العالم حتى اليوم, ألا وهو: السيسبلاتين. ويعزي استخدام هذا الدواء إلى الكيميائي الأمريكي بارنت روزنبرج وزملائه الذين اكتشفوا, بمصادفة سعيدة, في عام 1965, أنه يمنع انتشار الخلايا السرطانية.

ومع ذلك, فقد ثبت أن الآثار الجانبية الناجمة عن استخدم المركبات المعدنية هي أيضاً سيئة, وهو ما حث الباحثين على ابتكار أدوية تتركب أساسا من معادن أخرى, مثل الروتنيوم. وبفضل العمل الرائد الذي قام به فريق دولي من الكيميائيين, مثل ميشيل ج. كلارك. وبرنارد ك. كبلر. وبيترج. سادلر, ثبت أن الروتنيوم يشكل بديلا مجدياً بصورة خاصة  للبلاتين. فمن الممكن للروتنيوم, شأنه في ذلك شأن الحديد, أن يقترن بالترانسفيررين, وهو بروتين للدم ينقل الحديد إلى أعضاء الجسم. بدلا من أن ينتشر الروتنيوم في الجسم, فإنه يتراكم في مواضع الأورام بسبب انجذابه إلى الخلايا  السرطانية التي يوجد على سطحها عدد من مواضع استقبال هذا البروتين يعادل من 5 إلى 15 مرة المواضع الموجودة على سطح الخلايا السليم. وهكذا, فإنه يستهدف مباشرة الخلية المريضة ويقضي عليها. وبالإضافة إلى هذه الدقة الحادة في التصويب, فإن بعض مركبات الروتنيوم يمكنها شل عمليات الانبثاث, أي منع انتشار السرطان في أجزاء أخرى من الجسم.

إستراتيجية جديدة

لقد أثبت مؤخرا فريق البحث المذكور, عندما قام بتوسيع نطاق بحوثه بشأن مركبات الروتنيوم, أن التأليف بين هذا البروتين وعنصر فعال لنبات اسمه باللاتينية Peganum Harmola

يمكن أن يوفر إستراتيجية جديدة لابتكار أدوية مضادة للسرطان. ففيما مضى, كانت البذور المطحونة لهذا النبات تستخدم في الطب الصيني التقليدي باعتباره دواء ضد أورام القناة الهضمية. وفي الوقت الحاضر, فإن من شأن بعض المركبات الكيميائية التي يتم تصنيعها استنادا إلى التأليف بين المعدن والنبات أن تمنع انتشار الخلايا المريضة, وذلك على نحو أكثر فعالية من السيسبلاتين.

الجزئيات التي نقوم بدراستها تهدف إلى تفعيل ( التآكل الذاتي ) من أجل القضاء على الخلايا المتسرطنة التي تقاوم ظاهرة (انتحار الخلايا) ويشكل ذلك نهجاً جديدا في معالجة السرطان من شأنه تعزيز جهودنا الرامية إلى مكافحة هذا البلاء.

وفضلاً عن ذلك, فقد لاحظنا أن هذه المركبات الكيميائية يمكن أن تؤدي إلى ظاهرة (انتحار الخلايا)               وظاهرة ( التآكل الذاتي). الرامية إلى حماية الخلايا من التلف, في آن واحد, وذلك فيما يخص الخلايا البشرية المتسرطنة. وهذه هي المرة الأولى – حسبما نعلم – التي تمت البرهنة فيها على هذه العملية المزدوجة.

وتوخيا لمزيد من التوضيح, ينبغي الإشارة إلى أن ( انتحار الخلايا) الذي يسمى ( الانتحار المبرمج للخلايا), وهو عملية طبيعية تؤدي إلى موت بعض الخلايا ( التالفة), وذلك في وقت معين. غير أن هذه العملية لا تتم بانتظام فيما يتعلق بالخلايا المتسرطنة, وهو ما يفسر استمرار انتشارها. ومن ثم, يتركز الجزء الأكبر من البحوث الجديدة في علم السرطان على الجزيئات التي تسبب انتحار الخلايا المتسرطنة.

أما فيما يتعلق بمصطلح ( التآكل الذاتي) (ومعناه الحرفي ) ( الشيء يأكل نفسه), فهو يتمثل في آلية تتيح للخلية أن تهضم بعضا من محتواها, وذلك من أجل تأمين بقائها حية. غير أن ذلك يعتبر سلاحا ذا حدين, لأنه يمكن أن يؤدي إما إلى إبقاء الخلايا السليمة على حساب الخلايا المريضة ( وهو ما يسمى جبلة الخلية), أو إلى إبقاء الخلايا المريضة على حساب الخلايا السليمة. هذا, وترمى الجزيئات التي نقوم بدراستها إلى تفعيل ( التآكل الذاتي) من اجل القضاء على الخلايا المتسرطنة التي تقاوم ظاهرة ( الانتحار). ويشكل ذلك نهجا جديدا في معالجة السرطان من شأنه تعزيز جهودنا الرامية إلى مكافحة هذا البلاء.

ووفقا للإحصائيات التي أصدرها المعهد الوطني الأمريكي للسرطان, فإن معدلات البقاء على قيد الحياة بعد علاج بعض أنواع السرطان سجلت ارتفاعا كبيرا خلال العقود الأخيرة. ومع ذلك. فإن معدلات الشفاء فيما يتعلق بأنواع أخرى من السرطان ما زالت منخفضة للغاية. ومثال ذلك أن إجمالي  معدلات البقاء على قيد الحياة بعد مرور 5 سنوات على الإصابة بسرطان الكبد يقل عن 10%.

ويقدر المركز الدولي لبحوث السرطان التابع للأمم المتحدة أن ما يقرب من 760 مليون نسمة توفوا بسبب السرطان  في عام 2008, وأن هذا العدد قد يبلغ 1320 مليون نسمة في عام 2030. والحرب لم تنته بعد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *